إبحث

1 ديسمبر، 2012

مارغو تختار توقيتاً غريباً لإعتناق اليهودية



Margo


مارغو ستيلي، الممثلة الأميريكية وعارضة الأزياء السابقة، تشرح في مقال لصحيفة التايمز البريطانية (أغسطس 2006م)، كيف أن بحثها عن الحقيقة قادها إلى الإيمان.
ترجمه عن الإنجليزية: عبد العزيز كَمْبالي.

- أنقر هنا لتقرأ المقال بالإنجليزية من الموقع الشخصي لمارغو 


::::::::::::::: 


"لماذا تريدين أن تتحوّلي إلى اليهودية ؟"
تساءل الحاخام في كنيس ماربل آرك، وأضاف: "نحن لدينا كل هذه المشاكل".
"لماذا تُريدي أن تصبحي يهودية ؟"
سألني ذلك اليهودي الباريسي في حفل شِواء نهاية الأسبوع الماضي.
"هل تمزحين معي ؟"

قال لي زميلي في الشقّة، السويدي المحبوب والأكثر صواباً من الناحية السياسية.


فتاة في عُمري تُعلن عن تحوّلها إلى إعتناق أيُّ دينٍ كان، من المؤكد أنه أمر مُلفت. ليس فقط بسبب الدهشة من أنها تبحث عن نموّها الروحي بِهمّة واستقلالية، لكن على الأغلب لأن فتاة عمرها 23 سنة لن تتجرأ بالحديث عن دينها على الملأ.

إن التطرّف حوّل الدّين الى الطَوْطم الأَعظم لجيلنا لدرجة أن مجرد ذكره سيضع حدّاً لأي نقاش.

بطبيعة الحال فإن اصدقائي صُعقوا لخياراتي الروحية الجديدة، لكن على كلّ حال فإننا نحن جيل العشرينات المعاصر أكثر ذكاءً من أن نظلّ بلا دِين تماماً لفترة طويلة، لذلك ببساطة قمنا بإختراع ديننا الخاص؛ إضطرابات الأكل والنزعة الإستهلاكية، إدمان الكحول وتعاطي المخدرات والإحباط. إنها أدياننا الجديدة للألفية الجديدة.
لكننا نحتاج للإرشاد، نحتاج للإيمان، وللمساعدة والمعرفة، نحتاج إلى هدف، وفوق كل ذلك نحتاج لنموذج مُنزّه يُلهمنا لبذل أفضل ما عندنا لتحقيق ذلك الهدف، وبدون دِين فإن الأمر الوحيد الذي سيلبّي إحتياجاتنا هو إرضاء المصلحة الشخصية.


عندما كنت في الـ 12 من عمري، لا زلت حينها أترعرع في كونواي Conway، تلك المدينة الساحلية في كارولاينا الجنوبية، تم طَردي من الكنيسة المعمدانية الجنوبية (Baptist Church) بسبب سؤال "لماذا؟"، "لماذا فعل المسيح ذلك؟" و"كيف نعرف ان هذا ليس هو الجحيم؟"، وقد كانت نفس الإجابة تتكرر في كل مرة: "لأن هذا هو ما قاله الكتاب المقدس يا مارغو".

استدعى القس والديّ مرةً وأبلغهما أنني لم يعد مسموحاً لي بالعودة الى الكنيسة حتي اصبح "فتاة معمدانية جيدة"، وعندما سألت والديّ لماذا نذهب الى الكنيسة المعمدانية بينما هناك ثلاثُ كنائس في طريقنا للمدينة؟ قِيل لي: "لأنها الأقرب الى منزلنا"، فكان علي الإعتذار والجلوس في صَمْت خلال دروس الكتاب المقدس.

لقد كان غريباً بالنسبة لي أن أسرتي تبدو عمياء ونمطية في اختيار شئ من المفترض أنه مهمٌ جداً، وكمعمدانيين جنوبيين تعلّمنا ألا نسأل عن أي شئ، رئيس الأبرشية وراعي خِدمتنا كان هو القس، وكنّا - نحن الرّعية - عبارة عن غنمه أو قطيعه الخاص.

لو كنت حظيت بقسٍ مُثقف، راقٍ وذكي، لربما كانت الأمور مختلفة الآن، لكن بما أن الله، أو القدر، أو الحظ، أو كلها مجتمعة أرادت غير ذلك، فإن الأمر كما هو عليه الآن.

القس كان مسيحياً متحمساً "مولوداً من جديد" إسمه تيري، فقَد إحدى رجليه أثناء عمله في منجم للفحم بغرب فيرجينيا. سامحوني، لكنني لم أكن أثق في الرجل حتى ليتحقق من واجبي المنزلي في التهجئة Spelling Homework، دعْكم من تدريسي تعاليم الكتاب المقدس، وبكل تأكيد لن أثق فيه ليقودني في طريق الخلاص الروحي.

وهكذا أثبتت "المتمردة" أنها لا تحظى بشعبية، فقد حضرتُ الى المنزل ذات مرة في عيد ميلادي الـ 16 لأجد جميع متعلقاتي مَرمية خارجاً في العُشب. لم يعُد مرّحباً بي في منزل والديّ، واضطررت لإيقاف الدراسة والعمل في وظيفتين بدوام جزئي لأتمكن من توفير ما يكفي من المال لدفع الإيجار والتخرّج.

إجتماعياً كانت فرصتي ضئيلة، وتعتمد على إعطاء المسيحية فرصة أخرى، ومن أجل التواصل مع اصدقائي وللحفاظ على القليل من الإحترام الذي تبقّي لي عند الناس في كونواي، توجّهت مباشرةً وبدون تفكير للعبادة ضمن الكنيسة الميثودية Methodist، حتى أنني اصبحت راعية الـ "كريساليس Chrysalis"، وهي ممارسة متشدّدة يذهب فيها المراهقون إلى مُعتَزَل للتخلّص من خطاياهم على الصليب ويبدأوا من جديد. 

بعد عودتي القصيرة الى المسيحية عرفت أنها ليست الدين المناسب لي، وعلى اساس هذه المعرفة البسيطة بدأت اصبح أبعد وأبعد عن الجهل الذي تمثله الكنائس الجنوبية.

في سِن العشرين عملت مع المخرج "مايكل وينتربوتوم" في الدور الرئيسي لفيلمه المثير للجدل وذو النزعة الجنسية الصريحة "تسع أغاني 9 Songs" أردت من خلاله أن يختبر الناس هوياتهم الأخلاقية كما فعلت مع نفسي. أردت أن يسأل المشاهدون انفسهم: "لماذا لم يعجبني هذا؟" و"لماذا يزعجني ذلك؟"، لقد ضحّيت بنفسي كي يتمكن المشاهدون من أن يعرفوا أكثر عن أنفسهم.


لقطة من الفيلم

لقد اكتشفت الكثير بطرح الأسئلة البسيطة عن نفسي، وواحدة من تلك الإكتشافات أنه لم يكن لديّ مشكلة مع الجنس، كان ذلك شيئاً مقموعاً بداخلي في كارولاينا الجنوبية بسبب ثقافة تنظر للجنس كشئ سيئ وقذر، "الجنس يخرّب العلاقات الزوجيّة وينشر الأمراض"، "الجنس سوف يرسلك الى الجحيم".

وبعد أن فقدت الثقة في كل شئ قِيل لي من قَبل، لأنني ادركت أنّي نشأت مُحاطةً بمجموعة من الأغبياء غير المثقفين، بدأت الآن أفقد الثقة في كثير مما يعتبره المجتمع أمراً لائقاً أو غير لائق.
كنت أتعلّم من اخطائي ومن مصائب الآخرين، لكنني ادركت ان هذا غير كافٍ لتكون "شخص جيد". حياتي احتاجت لتلبية شئ اكبر منّي، اكبر من حاجاتي الآنية أو مستقبلي القريب.


عندما بدأت التفكير في تكوين عائلة ادركت انني في حاجة الى اتّباع دربٍ ما من الدروب الروحية حتى استطيع أن أربّي طفلاً بطريقة تختلف عن تربيتي، فعندما لاحظت أن والديّ كانا يؤمنان بشئ ما بالكامل وبلا تساؤل وبقليل جداً من المعرفة، فقدت احترامي الشديد للشخصْين اللذان طالما كانا الأكثر تأثيراً فيّ، وأنا عازمة على ألا أسُوق اطفالي في المستقبل الي هذا الذي لا طائل منه.

سألت نفسي ما هو الشئ الذي يُغريني في كل ديانة أو فلسفة وما هو الشئ الضروري في الدّين كدِين؟

لقد انتهيت لتوّي من قراءة القرآن، وقد وجدتُ فيه مَيلٌ شديد للعنف، مقيّداً بالزمان والمكان، وفضفاض جداً فيما يَخص المساواة بين الرجل والمرأة. ولاحظت عند فراغي منه أن اليوم يصادف يوم الغفران، أقدس أيام السنة اليهودية، وقد كان العديد من اصدقائي يترقبونه. فما هو ذلك الشيئ الغريب في هؤلاء الناس والذي يجعلني منجذبةً نحوهم؟ ما هو سر علاقتهم بعائلاتهم؟ وهو أمر طالما أردته لنفسي، أول شئ جذبني لليهودية كان متانة الترابط الأسري المؤكّدة التي ماسَكَت الشعب والثقافة اليهودية معاً طيلة 3000 عام.


Mark Twain
سأل مارك توين مرة: "كل الأشياء تَفنى ما عدا اليهودي. كل القوى الأخرى تزول لكنه يبقى. فما هو سر خلوده ؟"
ليس هناك سر، إنه ترابط الأسرة اليهودية وتاريخها المشترك الذي أعدّه الشئ الآخر الذي جذبني مباشرةً نحو اليهودية: كيف أن اليهود ملمّون بتاريخهم.
اليهود، سواءً كانوا متدينين أم لا، يعرفون من أين جاءوا وماذا يريدون لمستقبلهم، ومعرفتهم هذه مبنيّة على الحقائق، لا الإيمان.
اليهود أُناس علميّون جداً، وهذا جعلني أشعر بقبول تجاه منطقهم، وبينما أتعلّم أكثر واكثر عن اليهودية أكتشف أن هناك بحرٌ من المعرفة لا يزالُ علىّ استكشافه.


أيٌ من الوصايا الـ 613 تأمرنا بإشاعة السلام في أنفسنا وبين الناس، وبين الناس والطبيعة. إنها الطبيعة المسالمة لهذا الدين هي التي جذبتني.

إن عملية تحوّلي ما زالت طويلة، فلا زلت أدرس وأقرأ مقالات وكتب عن الدّين اليهودي، الثقافة اليهودية وإسرائيل، على مدي العامين الماضيين. وقبل عِدة أشهر قررت أنه الوقت المناسب لأبدأ التحوّل بصورة رسمية، لأسباب ليس أقلها أنني في حالة حب مع رجل يهودي، لكن بالتأكيد – وعلى الأغلب - ليس بسبب ذلك فقط.
ولا يفاجئني أنني على علاقة مع رجل يهودي، فنحن نتشارك نفس وجهات النظر والآراء تلقائياً، لكن بعد قضاء السنة الماضية معه ومع أسرته، قَويت رغبتي في هذا الدين وأعطاني ذلك سبباً لأجعل إعتناقي رسمياً.

بدأت بالبحث عن حاخام أتعلّم تحت إشرافه، وهو أمرٌ صعب جداً، فعليك ان تجد حاخاماً يُناسبك بنفس الطريقة التي تجد بها زوجاً يُناسبك، وحتى الآن ما زلت أُقابل حاخامات أشكنازيين Ashkenazi فقط، وهم احفاد المجموعات اليهودية المتحدّرة من راينلاد (منطقة الراين - المانيا)، وقد أثّروا فيّ جميعهم تأثيراً كبيراً. لكنني أود ان أقابل حاخاماً سِفارديّاً Sephardic، من أحفاد اليهود المتحدّرين من شبه الجزيرة الآيبيرية، كي استقر واتعلّم منه وجهاً لوجه.

لم يكن اعتناقاً يسهل إنجازه، فيجب أن أبدأ بالتعلّم عند عمر 23 عاماً، ما يتعلّمه اليهود منذ اليوم الأول في حياتهم، سيتطلّب الأمر بضع سنين من الدراسة والممارسة لأتأكد من أنني تشرّبت كميّة كافية من المعرفة تجعلني اعتبر نفسي يهوديّة رسمياً، إما دينياً او ثقافياً.

أنا لا أدعم اسرائيل، ولا أشجبها، ولا أجد نفسي مُلمّةً بما يكفي بعد لتشكيل رأي صَلب حول الحرب في الشرق الأوسط، ورغم ذلك اجد نفسي أحياناً في حاجة لأن أضع علامة حول عنقي تقول: "لقد أصبحتُ يهودية، وأنه لا علاقة للأمر بالصهيونية"، فالصهيونية حركة قومية سياسية، والدّين يجب أن يرتكز فقط على كتبه ونظرياته وفلسفته الخاصّة.
لقد خطّطتُ لقضاء 6 أشهر في إسرائيل لأتعلّم العِبريّة، لكن ونسبة للظروف الحاليّة فسوف أنتظر وأري ما تُسفر عنه الأيام.

وهكذا، وبعد 9 أعوام من البحث في صَحاري الرّوح، أنا الآن مستقرة. وقد توقفت عن التحدّث الى أسرتي في موضوع الدين قبل سنين، وكنت عندما اتحدث إليهم عن تحفظاتي وشكوكي حول المسيحية يُخبروني، بدلاً من محاولة طمأنتي، بأنني سأذهب الى الجحيم.

لكن بالنسبة لي فإن الجهل ليس نعمة، فأنا لن أكون يهودية كاملة، ولن يجعل منّي الدين اليهودي مثاليةً، لكنني أعرف أنه سيمُدني بالإيمان والمساندة، بالمعرفة والتاريخ.

إنني لست يهوديةً لأنني اخترت أن أكون كذلك، أنا يهودية لأنه ليس هناك خيار آخر أمامي.