إبحث

9 فبراير، 2017

مصر يشجعها الجنجويد وشراميط المركز!

منتخب مصر بطل أفريقيا - أنجولا 2010

هذه حكاية من الواقع (تقريباً) أحكيها بمناسبة فوز الكاميرون على حساب مصر في النهائي الأفريقي بالجابون، وانتشار منشورات على فيسبوك تتناول إنحيازنا كسودانيين لأفريقيا السوداء فيما يتعلق بكرة القدم، وعداءنا المعلن - في نفس الوقت -  لمصر، باعتباره مؤشر لموقف السودانيين الحقيقي من مصر والمصريين في العموم. وهو الأمر الذي تشكك فيه هذه الحكاية تماماً.

في يناير سنة ٢٠١٠م، كنت أعمل في محل لخدمات الطباعة في حي الخرطوم ٣ بوسط الخرطوم، مر بي بعض الأصدقاء مع نهاية الدوام حسب اتفاق مسبق بيننا لنذهب لمشاهدة النهائي الأفريقي، بين مصر وغانا وقتها، تتويجاً لتلاقينا بعد طول انقطاع. أتذكر منهم الآن بالتأكيد: رجل الأعمال الوجيه: عولمة، الفوضوي السمين: مُشاكس (حالياً رجل أعمال ايضاً)، الثوري الساخط دائماً: الرفيق مالك، وصديقنا المثقف الذكي خفيف الظل، والمشجّع السرّي لمصر: أبو السيد (يقول أنه فقط يشجّع اللعبة الحلوة).

اقترحت أنا الذهاب إلى نادي الخرطوم ٣ (تحول لاحقاً إلى "الخرطوم الوطني"، بعد أن اصبح يموّل من جهاز الأمن والمخابرات)، لقربه من مكان عملي، ولأنه لابد فيه شاشات عرض كبيرة ومجهّزة تسمح بمشاهدة ممتعة للنهائي الكبير، فهو من اعرق نوادي منطقة الخرطوم جنوب واحد أندية الدوري الممتاز لكرة القدم.

ذهبنا جميعنا مشجّعين مؤكّدين للنجوم السوداء الغانية، لا سيما الرفيق مالك الذي كان يُمنّي نفسه بهزيمة ثقيلة على الفراعنة تفش غليله على خلفية التغطية السيئة للإعلام المصري (المتحاملة على السودان) للأحداث التي صاحبت مباراة أم درمان بين مصر والجزائر قبل سنة.

قطعنا تذاكر الدخول وفي ذاكرتنا آخر أجواء كروية جمعتنا، نتبادل حولها الطرفات ونستعيد القصص، وهي أجواء السكن الداخلي أيام الجامعة، حين كانت افريقيا من المسلّمات الكروية الكبيرة، وكانت الغالبية العظمى من الطلاب يتحولون في البطولات الكروية إلى أفارقة سود حتى العروبيين والإسلاميين منهم، إلا جماعة انصار السنّة طبعاً، فقد كانوا يلتزمون جانب السذاجة الشتراء كعادة الوهّابيين دائماً، يتعمدون إقامة بعض حلقاتهم "العلمية" تزامناً مع توقيت المباريات أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر لما في المشاهدة من صرف للناس عن الصلاة، ومناظر الرجال المهرولين بعورات مكشوفة، إضافة للمشاهد "الخليعة" للبنات الأفريقيات المكتنزات، تأتي بها الكاميرات من حين لآخر ويتجاوب معها جمهور الداخلية بحماس المدرّجات العابر لأثير التلفزيون، فنشعر وكأننا داخل الملعب نفسه.

دخلنا النادي قبل المباراة بحوالي ربع الساعة تقريباً لنجده شبه ممتلئ عن آخره، أول ملاحظة كانت ان هناك عدد كبير من المشجعين المصريين يحملون أعلام مصرية يلوّحون بها وينشدون هتافات وطنية وكروية مصرية.

علّق مالك مباشرةً وبإستنكار:
- الخولات ديل الجابهم هنا شنو؟!
حاول ابو السيد تمييع المو ضوع خوفاً من افتعال مالك لمشكله مع احدهم:
- ما تشتغل بيهم يا مالك .. مصريين جو يشجعو بلدهم .. ما فيها حاجه  ...
رمقه مالك بنظرة مشكّكه في ولائه الأفريقي وأشار بيديه إشارات رافضة:
- يا زول فيها ١٠٠ حاجه .. نحن هنا افارقه .. لو عايزين يهتفو خليهم يرجعو مصر ولا حتى يمشو يتناكو في الجزائر .. ما عايزين حلب خولات هنا،
وتقدم بسرعه نحو المقاعد القريبه من المشجعين المصريين وبدأ يهتف بأعلى صوته:
- الليله غانا بس، بَلْ بَلْ بَلْ، أسامواه جيان يا ... أضرب الحمام ...


عرفنا فوراً أن المسأله خارجة عن السيطرة من أولها، إلا أن 
هناك شئ ملفت فعلاً كنا قد لاحظناه، وهو أن الحس الأفريقي في النادي لم يكن بالزخم الذي توقعناه، كان عدد المتعاطفين مع مصر يساوي تقريباً أولائك الذين يشجعون غانا، بل إن الصوت المصري كان طاغياً بسبب قفشات المصريين الساخرة سخرية رصاصة في مقتل.

على سبيل المثال، وفي واحدة من اللعبات العنيفة في توقيت صعب قرابة نهاية المباراة وفي موقع حسّاس داخل الملعب، احتسب حكم المباراة عرقلة لصالح غانا، فانفعل احد المصريين معترضاً:
- كس امك يابن العرص .. واخد فيها كام دي؟
مشيراً لأن الحكم مرتشٍ ومتحيّز لغانا.
اشتبك معه مالك متعمّداً:
- هوي يا زول هوي صلّح الفاظك .. ما تتكلّم لينا فارغ هنا ..
فرد المصري بسخرية من عرف ان مالك يبحث عن مشكلة:
- آسفين يا عمّ المهذّب!
- مهذب غصباً عنك وعن حسني مبارك ذاتو.. انت حلبي خول ولا شنو؟!
- لا لا لا.. بقولك إيه .. خُد بالك انت من الفاظك وخليك محترم ...
- يا زول انا ما محترم، عايز تعمل شنو؟!
قتل المصري الموقف مرة اخرى بسخرية لاذعة:
- واحد بقول عن نفسو مش محترم، هعملو ايه يعني؟ المسامح كريم بقى!

استمرت حالة الشد والجذب هذه وتبادل المكايدات طيلة المباراة التي استمرت هي نفسها في حالة تعادل سلبي زاد من حالة التوتر، وكنّا قد بدأنا نلاحظ أننا في الواقع مجموعه معزولة في ذلك المكان، وكان واضحاً أن الجو العام في النادي غير أفريقي بالمرّة، استطاع فيه المصريون استمالة المحايدين من الحضور بقفشاتهم الفنّانة.


 تأكّدت عزلتنا تلك في الربع الأخير من زمن المباراة وقبيل انتهائها بقليل، وقد بتنا جميعاً مقتنعين بأن المباراة لا محالة ستمتد لشوطين إضافيين وربما لضربات ترجيحية أيضاً، فقد جائنا شاب يبدو إنو من إدارة النادي ووجّه كلامه إلينا مباشرةً بنبرة غير مريحة:
- يا شباب لو سمحتو نحن ما عايزين مشاكل، كل زول يقعد في الكرسي بتاعو بأدب ويحترم نفسو...
رديت أنا عليه:
- مافي داعي للغلط يا حبيب .. دي مشاحنات كورة عادية .. ما حصلت حاجه
- من قبيل شايفنكم بتتوهمو وماخدين راحتكم .. يا تقعدو بادبكم يا تتخارجو

لم يعجبنا الكلام ولا النبره التي قيل بها، فتدخل مشاكس وقد قرر عملياً تصعيد الموقف:
- يا زول نحن دافعين قروش هنا ما بنتخارج .. وبنتوهم زي ما عايزين .. عايز تعمل شنو؟ ولم ينتظر مشاكس ردّاً من الشاب وتناول بوستر لعصام الحضري من يد مشجع مصري غياظ كان يرفع البوستر بحركة مقصودة امام اعيننا كل مرة، فمزق البوستر ووضعه للمصري في جيبه وشمّر عن ساعديه في إشارة للاستعداد لأي اشتباك محتمل.


دعمه عولمة بسرعة وقد فاض به الغضب من كلام الشاب بتاع الإدارة، لا سيما وأن غانا أداءها بدأ يتدهور، فقام بشد العلم المصري من يد مشجع آخر كان بجانبه وكرفسه ووضعه تحته وجلس عليه، وطبعاً بدأ ذاك المشجع يغني ويشدو في حب مصر مطالباً بالعلم، وعولمة ينظر إليه بطريقة مستفزة لا يحرّك ساكناً  وكأن الأمر لا يعنيه.

زاد في توتر الجو - المشحون أساساً - شخص آخر كبير في العمر، يبدو انو من إدارة النادي أيضا، لأنه كان يجلس في كرسي وثير في الصف الأول قريباً من الشاشة، يلبس جلابية ويضع على رأسه عِمّة كبيرة ويدخن سيجارة رغم أن هناك لافتة تمنع التدخين، علّق الرجل الكبير  بصوت عالٍ على مسامع الروّاد، في إشارة لا شك معنيون بها نحن كمؤيدين معلنين للبلاك ستارز في تلك الليلة:
- عليكم الله مين يشجع العبيد الشينين ديل؟ الواحد فيهم خشمو زي كس البقرة، هسي تلقاهم بايعنّها ...

أثناء هذا التوتر والمناوشات الجانبية، وقد بدأنا نحن نطلع فعلياً من جو المباراة، صرخ الشوّالي فجأة، فانتفض جميع من في النادي من مقاعدهم، ودوّت هتافات وصريخ وسادت حالة هستيريا ورقص جنونية، ولوهلة صغيرة لم استطع ان اميز ما الذي حدث، بدا وكأن النادي كله تكوّم امامنا، والجميع يصرخ فينا بمختلف انواع الصريخ الذي يصاحب لحظة الانفعال بتسجيل هدف قاتل:
ظووووووط
بل بل بل
أحّي أحّي أحّي
واي واي واي

التفتُ أنا سريعاً نحو أبو السيد ابحث عن تفسير سريع:
- قون يا مان؟!!
رد أبو السيد بهدوء من عرف ان الليلة باظت:
- جدو .. جدو .. جدو ..

سجّل محمد ناجي جدو مهاجم المنتخب المصري الهدف القاتل في الدقيقة 85.

وكانت هناك طبعاً اشكال وأنواع من الحركات والإشارات المسيئة بالأيادي والأصابع أكدت لنا أننا لسنا في الخرطوم 3، والإحتمال أكبر أننا الآن لاجئين سودانيين في القاهرة ننتظر إعادة التوطين من الأمم المتحدة، وأن هذا المكان هو أساسا قهوة بشارع سليمان جوهر أو في احد أزقة عابدين القديمة!


وفي كل الأحوال، لا مناص من مغادرتنا الآن وفوراً.
هممنا جميعاً بالمغادرة في الحال، تسيّرنا الهتافات الساخرة:
- مرقو .. مرقو .. مرقو ..
- شردو .. شردو .. شردو ..

- جدو .. جدو .. جدو ..
وكمّل مشجعون مصريون الصورة فرافقونا يلوّحون بعلم مصر أمامنا حتى لحظة خروجنا من باب النادي.


ظللنا نمشي في شارع بيويو كوان لمدة 5 دقائق تقريباً دون أن نتحدث يرافقنا إحساس بالهزيمة، ويتملّكنا شعور أننا غرباء في بلد آخر، ربما في قلب القاهرة فعلاً وليس الخرطوم ؟!


كسر عولمة حالة الصمت تلك:
- ما كان مفروض نطلع يا شباب، عشان غانا لمن تغلب نحشر ليهم ...
حاول أبو السيد إرجاعه من عالم الأحلام:
- غانا موضوعها انتهى خلاص يا عولمة .. الكاس مصري ميه في الميه
تقاطع معه مالك متضجراً:
- عليك الله يا أبو السيد ما تقفلها معانا اكتر من كده .. انت ذاتك من قبيل بتشجع مصر
رد عليه مشاكس بانفعال المُحبَط:
- كلامو صاح يا مالك .. الأفارقة ديل لوايطه ساي .. خليهم يترشو ..
و شاركت أنا:
- يا عولمة لو كمّلنا المبارة كانت حتحصل مشكلة أكبر .. الحمد لله اتخارجنا بدري ...
تساءل مالك:
- انا مستغرب الناس ديل بشجعو مصر ليه؟ هسي لو ديل نحنا المصريين بشجعونا؟!
واضاف مستدعياً ذاكرته الثورية:
- عشان كده مافي حل غير ثورة الهامش، خليها تجي تركبهم كلّهم...
علق ابو السيد بسخرية:
- ثورة الهامش تجي تركب الخرطوم ٣ ؟!
فرد الرفيق مالك بنبرة ساخطة معمّماً وملوّحاً يده بحسم:
- كلّهم شراميط مركز في النهاية ...

الضربة القاضية بالنسبة لرفيقنا مالك كانت عندما لم نجد مواصلات واضطررنا نركب يا عم معاك من الشارع، عربة فارهة اظنها كانت لاند كروزر برادو، صاحبها رجل خمسيني أصلع تبدو عليه الدّعة، حيّيناه وركبنا بعد ان تأكدنا انه ذاهب في نفس اتجاهنا،

لم يمر طويلاً حتى بدأ أبو السيد الذي ركب في المقعد الأمامي يتجاذب معه اطراف الحديث ليكسر حالة الوجوم غير المبررة التي يبدو اننا جلبناها معنا من النادي إلى داخل البرادو:
-  متابع الكورة زينا كده ولا ما عندك بيها علاقه؟
-  متابع طبعاً ..
وأضاف الرجل مازحاً:
- في سوداني ما عندو علاقه بالكورة؟
-  عندك فكرة غانا ومصر انتهت ولا لسّه؟
-  انتهت قبل شويه .. انا هسّي طالع منها .. كنت بحضر فيها في نادي الضباط
- سألته أنا مقاطعاً: انت ضابط في الجيش يا أستاذ؟!
أجاب الرجل بفخر:
- معاكم العقيد فلان الفلاني ...
علّق مالك بتهكّم مغزاه أن الضابط يبدو ثريّاً ومنعّماً ليس كما يفترض أن يكون ضباط الجيش:
- العربية عندك لكن!
استلم أبو السيد دفة الحديث مرة أخرى مواصلاً بسرعه قبل أن ينتبه العقيد لنبرة مالك:
- المباراة انتهت كم بالله يا سعادتك؟
- المصريين شالو الكاس طبعاً، واحد/صفر .. سمبك ناجي جدو ...
علّق مالك بانفعال موجهاً كلامه للضابط:
- سمبك كيف يعني؟!
رد الضابط ببساطه ظناً منه ان مالك لم يفهمه:
- قصدي مسمار يعني، قون واحد جابو جدو ..
حرّصنا نحن في الخلف على مالك ان يهدأ ولا يدخل في أي مشاحنة مع الضابط، فغرضنا في النهاية هو توصيلنا لوجهتنا وليس أكثر،
استلم أبو السيد الدفة مرة ثانية في محاولة لتدارك الموقف ومنع أي فرصة للاشتباك:
- والله نحن كنا في نادي الخرطوم ٣، لكن طردونا لأننا شجعنا غانا .. انتو كيف في نادي الضباط؟ مع غانا ولا مصر؟
- أكيد مع مصر يا زول! غانا بتاعت شنو .. النادي كلو بشجع مصر، غانا شجعها ضابط واحد بس!


وفي هذه اللحظة صرخ الرفيق مالك:
-  اسمع .. أقيف لينا هنا ..
-  هنا وين يا زول؟! قول بسم الله نحن في نص الكبري ...
وأضاف العقيد مازحاً لا يعرف مدى تأثير مزاحه:
- انت ناطي البحر ده ولا شنو؟
فاجأ مالك الضابط وفاجأنا:
-  يا زول ما شغلتك، انط البحر .. انيك البحر .. ما يخصك .. أقيف نزلنا هنا ..
- قلت شنو؟!! انت شكلك ولد صعلوق ومحتاج زول يربيك  ...
- هسّي صعلوق انا ولا انت؟ في ضابط في الجيش يقول سمبك ومسمار؟
رد الضابط هذه المرة بانفعال:
- يا زول سمبك! وانت شكلك فعلاً صعلوق...

وهنا عرفنا أن الوضع استحم وقد يستخدم العقيد صلاحياته وعلاقاته فنبيت كلنا في الكركون. التزمت أنا وعولمة الصمت واذكر ان مشاكس كان يضحك ويقهقه مستمتعاً بطريقة الضابط التي كان ينطق بها كلمتي سمبك ومسمار ويكررها متعمداً على مسامع مالك.

واصل أبو السيد محاولاته المستميتة لتهدئة الوضع التي فرضها عليه موقعه في المقعد الأمامي:
-  معليش يا سعادتك .. امسحها لينا في وشنا ..
- لكن صاحبكم ده شكلو عايز زول يربيهو...
- والله معليش.. نحن جايين من وفاة وهو متوتر شوية...
- وفاة شنو؟ مش قلتو جايين من نادي الخرطوم ٣؟!

اسقط في يد أبو السيد في هذه اللحظة، فانضممت انا وعولمة لمشاكس في حالة ضحك خارجة عن السيطرة، فعلّق الضابط:
-  انتو شكلكم كلكم صعاليق وأنا غلطان ركّبتكم معاي عايز اعمل فيكم خير.

توقف العقيد عند نزلة كبري الفتيحاب فنزلنا منه عند صينية المهندسين، وتنفسنا الصعداء لأنه لم يكن يرغب في تأديبنا تأديباً جماعياً.

احتد أبو السيد لأول مرة مع مالك هذه المرة:
- انت يا مالك عايز تعمل لينا مشكلة مع عقيد في الجيش كمان؟!
رد مالك متهكّماً:
- جيش شنو يا زول؟ هي فضّل فيها جيش؟ ديل كلّهم جنجويد، ثورة الهامش حتجي تركبهم كلّهم ...
...
...