إبحث

19 ديسمبر، 2012

عن مقتل طلّاب جامعة الجزيرة

(1)
في بداية  الأسبوع الأول من هذا الشهر نظّم طلاب جامعة الجزيرة - الواقعة في مدينة ود مدني بوسط السودان - إعتصاماً أمام قاعات الدراسة بالجامعة إحتجاجاً على إرتفاع التكاليف الدراسية وتضامناً مع طلاب إقليم دارفور في رفض إدارة الجامعة إعفائهم من الرسوم الدراسية  رغم ما أقرته إتفاقية الدوحة للسلام، والتي قضت بأن يُعفى طلاب الإقليم من  أبناء النازحين واللاجئين من الرسوم الدراسية على خلفية الأزمة القائمة في الإقليم.

وكعادة المسئولين السودانيين في مختلف المستويات، ليس لديهم أي إستعداد للحوار بغرض الوصول لإتفاق سلمي حول أي أمرٍ كان، فقرر مدير الجامعة إستدعاء الشرطة لفض الإعتصام بالقوة، وتلقائياً تأتي قوات من جهاز الأمن الوطني والمخابرات مع الشرطة عندما يتعلٌق الأمر بقضايا الحقوق والحريات، ولا ننسى طبعاً المليشيات الطلابية لحزب المؤتمر الوطني والتي يُعتبر قمع الإحتجاجات الطلّابية بالعنف وملاحقة المعارضين السياسيين من طلاب الجامعات والتنكيل بهم من صميم عملها، وهي تلقى دعم معلن من جهاز الأمن.

(2)
فقد 4 طلاب حياتهم نتيجة إقتحام القوات الأمنية للجامعة وفضّها للإعتصام بالعنف، وتم العثور على جثامينهم بعد عدة أيام غارقة في ترعة المزرعة التجريبية التابعة للجامعة، لا أحد طبعاً يستطيع أن يجزم ما إذا كانوا قد غرقوا "قضاءً وقدراً" كما يُصر ويكرّر مدير الجامعة، أو أنهم قد قُتلوا وتم التخلّص من جثثهم هناك، فلجنة التحقيق التي شكّلها وزير العدل لم تنشر تقريرها حتى الآن.
الطلاب القتلى هم: محمد يونس النيل - السنة الأولى، عادل محمد احمد - السنة الأولى، الصادق يعقوب عبد الله - السنة الأولى، النعمان احمد القرشي - السنة الثانية.

(3)
قد يستغرب الكثيرون، ما الداعي لكل ذلك ؟
وهل يعقل أن يكون الأمر يتعلّق فقط بالرسوم الدراسية ؟

أنا استغرب أيضاً !

أستغرب حالة التعوّد التي استغرقتنا جميعاً بحيث لم نعد نشعر بالفرق. استغرب حالة التدجين الشامل والعميق التي غرقنا فيها كما غرق الطلاب الأربعة في الترعة. ففي الواقع قد أصبح ضميرنا الإنساني كسودانيين في موضع تساؤل حقاً.

إغتيال الطلاب لأسباب تتعلّق بالموقف السياسي أو الإحتجاجات المطلبية لم يعد أمراً غريباً في ظل النظام الجاثم على صدورنا في السودان منذ ربع قرن، ففي جامعة الجزيرة نفسها في اغسطس 2008م قتل طالب اسمه معتصم حامد ابو العاص على إثر اشتباكه مع افراد من جهاز الأمن ضمن قوة قامت بإقتحام الجامعة، ولم تتم إدانة شخص محدد بقتله حتى الآن.

وممّا أذكره الآن، أنه في يوليو الفائت من هذا العام استخدمت الشرطة الرصاص الحي لتفريق احتجاجات طلابية في مدينة نيالا غرب السودان، كان قوامها طلاب مرحلتي الأساس والثانوي، تتراوح أعمارهم بين 13 و17، وقد قضى في تلك الإحتجاجات 12 من الطلاب نتيجة للرصاص المباشر، ولم يقدّم حتى الآن أى شخص للمحاكمة على مسئوليته عن تلك المذبحة.

هناك تاريخ طويل وموثّق من هذا النوع منذ شهر يونيو من عام 1989م، تاريخ إستيلاء حزب الجبهة الإسلامية القومية (المؤتمر الوطني) على الحكم عن طريق الإنقلاب العسكري، أشهر حوادث هذا التاريخ العنيف حادثة طلاب معسكر العيلفون، أبريل 1998م، الذين يقال أن قائد المعسكر قد أصدر أوامراً بإطلاق النار عليهم بحجة أنهم هروبوا ورفضوا إطاعة الأوامر، فقتل منهم العشرات وغرق عشرات آخرون في النيل أثناء محاولتهم الهروب من الرصاص، ولا أحد يعرف بالضبط ما الذي حدث وكم يبلغ العدد الفعلي للقتلى، ولم يقدّم مسئول واحد للمحاكمة حتى الآن.

(4)
في سياق تصاعد موجة الحنق العام، سارع كل من وزير التعليم العالي ومدير جامعة الجزيرة وعميد شئون الطلاب فيها إلى عقد مؤتمر صحفي في المركز السوداني للخدمات الصحفية smc حول تداعيات تلك الأحداث، وقد بدا واضحاً أن كلاً من الوزير والمدير والعميد كانوا جميعاً مهتمين أساساً بتبرئة ساحتهم من أي مسئولية ولو كانت أخلاقية، فأصر عميد شئون الطلاب على نفي "أي شبهة جنائية" في الأمر، وظل مدير الجامعة يؤكد عبر الصحف أن الطلاب غرقوا ولم يقتلوا وأنه لم تظهر عليهم أي آثار تعذيب عند إنتشال جثامينهم، وأنها - أي الأجهزة الأمنية – قامت بدورها على أكمل وجه وقامت بحماية ممتلكات الجامعة.

ألا تدخل حماية الأرواح ايضاً ضمن مسئولية الأجهزة الأمنية ؟
ولماذا لا تتركوا أمر التعذيب والشبهة الجنائية لتقرير لجنة التحقيق ؟

لا أعجب لذهول هؤلاء المسئولين عن حقيقة أن هؤلاء الطلاب قد "ماتوا" فعلاً في النهاية، وأن حياة الإنسان أمر عظيم يستحق التقدير ولا يجب أن يمر إزهاقها مرور الكرام، وإلا فإن ما حدث كان يكفي لإستقالة كل من وزير التعليم العالي ومدير الجامعة، حتى ولو قامت بتدبيره "بعض الجهات المندسة".

(5)
من ناحية أخرى، فأنا ما زلت أستغرب !

أستغرب ردة فعل التيجاني السيسي رئيس حركة التحرير والعدالة ورئيس السلطة الإقليمية بدارفور، الرجل لم تصدر عنه ردة فعل واضحة تجاه أمر هؤلاء الطلاب. صحيح أن أحد القتلى هو من أبناء ولاية الجزيرة، إلا أن الثلاثة الآخرين هم من دارفور، وقد كان موضوع الإعتصام بالأساس من صميم مسئولياته كرئيس للسلطة الإقليمية لدارفور ومن شروط اتفاقه مع حزب المؤتمر الوطني في الدوحة، أي التعليم المجاني لأبناء النازحين واللاجئين من دارفور.

في الواقع كانت ردة فعله ضعيفة وتشير إلى قلّة حيلته السياسية في مواجهة المؤتمر الوطني وقياداته، لا سيما إذا ذكرنا أنه وقبل يومين فقط من أحداث جامعة الجزيرة، قام الجيش السوداني بقصف قواته المتمركزة خارج مدينة الفاشر بحجة أنه تم الخلط بينها وبين قوات الجبهة الثورية.

الرجل قُصفت قواته في الفاشر وقُتل مواطنون له في ود مدني، ولم يحرّك ساكناً !

(6)
وفي ذات السياق الضعيف، فإنني لا أستغرب ردة فعل تحالف قوى الإجماع الوطني الذي يشمل معظم أحزاب المعارضة، فقد إكتفى التحالف بإصدار بيان إستنكار يبدأ بآية قرآنية وينتهي بآية أخرى، وأعلن رئيسه عن وقفة إحتجاجية أمام دار حزب المؤتمر السوداني إحتجاجاً على مقتل الطلاب، وعن دعوة لإقامة صلاة الغائب في اليوم التالي بدار حزب الأمة ترحّماً على أرواح "شهداء الحركة الطلابية".

ويبدو أن جماعة الإجماع لا يميّزون بين "الغائب" و"المقتول". فهم يريدوا أن يصلّوا والسلام.

(7)
ومن زاوية مختلفة، أصدر تنظيم المؤتمر الوطني بجامعة الجزيرة بياناً أعلن فيه أن ثلاثة من الطلاب القتلى هم من أعضائه (الصادق، عادل، النعمان) وحمّل من أسماهم بـ "طلاب عبد الواحد" المسئولية عن مقتلهم، وجاء بيان رابطة طلاب دارفور بجامعة الجزيرة مؤكداً أن عدداً من أعضائها ينتمون للحركة الإسلامية، فهل يغيّر هذا من الأمر شيئاً ؟

الإجابة هي: لا. فأمر تقديم المتورطين للمحاكمة أمام القضاء يجب ألا يخضع للمزايدات السياسية، لأن سيادة حكم القانون لا تتجزأ.

(8)
عدد من القوى الدارفورية تناولت مقتل الطلّاب بإعتباره أمراً يخص دارفور، ويروجون له بإعتباره جانباً من المعاناة التي "يتميّز" بها مواطنو دارفور، وقد نسوا - أو تناسوا - في هذا السياق أن أحد القتلى هو من أبناء ولاية الجزيرة، قرية أم جريس. إن الأزمة ليست أزمة "دارفور" - بل هي أزمة وطنية شاملة، وهنا يحتاج النشطاء والكيانات التي تعبّر عن دارفور في سياق معزول أن تعمل على تجاوز عقلية "الخصوصيّة" في تناول قضية الإقليم،  فمشروع المؤتمر الوطني في النهاية لا يستوعب حتى أعضائه.

(9)
إن إهدار الحياة هو التمظهر الأعنف لإهدار الحقوق والحريات، والتلاعب بقيمة الحياة كورقة في ساحة المزايدات السياسية لا ينم إلا عن غياب ضمير.