إبحث

2 ديسمبر 2011

مفارقات في شمبات

قبل قليل كنت في صالة مكتب الكهرباء الواقع بحي شمبات بغرض شراء الكهرباء، هذه الفترة كما تعرفون هي  فترة أول الشهر، حين نستطيع أن نشتري 200 كيلو كهربا بـ 30 جنيه فقط!

وجدت عدد كبير من الناس داخل المكتب، لم أكترث وأعتقدت أنه أمر عادي بسبب الكهرباء المدعومة في هذه الفترة من الشهر، لكنني لاحظت أنه لا توجد صفوف كما هو معتاد عند الشراء، بل إزدحام وتدافع في شبابيك التحصيل وزحمة أخرى في مكتب المهندس المشرف، ومجموعة ثالثه متجمهرة وتتناقش بعصبية في أحد أركان الصالة بطريقة توحي بأن عراكاً قد حدث وأن أحد الأطراف تتم تهدئته الآن.


أدركت على الفور أن ثمة شئ غير طبيعي، فسألت رجلاً كان يقف ضمن المجموعة التي في شباك المتحصل الأول، يرتدي الرجل جلابية مكرفسه وطاقية بيضاء اصغر من حجم راسه يضعها في منتصف رأسه بطريقة السماسرة المعروفة، شعره خفيف دب فيه الشيب وغير مرتب، يرتدي نظارة سوداء واضح تماماً أنها أكبر من وجهه، يبدو في العموم أنه كان غاطّاً في نومه عميقه قبل أن يوقظه انقطاع التيار الكهربائي:
-      الحاصل شنو يا أستاذ؟
أجابني بإنفعال من كان ينتظر السؤال منذ فترة:
-      ياخي ديل حراميه ديل ..
-      ليه في شنو؟!
-      حيكون في شنو يعني؟ سرقه بس طبعاً!
ثم هاج فجأةً وعدّل وضع النظارة على أنفه:
-      لكن نحن نستاهل .. لأننا جزم وكلاب .. وبعد كده حقو يبيعو لينا الهوا عديل كده

عرفت بعد تقصّي وإجتهاد أن المشكله تتمحور حول السيستم الجديد الذي يفرض تحصيل فاتورة المياه مع فاتورة الكهرباء عبر منافذ بيع الكهرباء وإلا فإن المواطنين سيحرموا من شراء الكهرباء!

إستعجبت فعلاً من السبب، فأنا اعلم ان هناك عدد من أحياء شمبات تعمل بهذا النظام منذ قرابة العام، وكان معروفاً أن هذا النظام الجديد يتم تنفيذه بالتدريج، حَيْ حَيْ، وحِلّة حِلّة، فأين تكمن المشكلة هنا؟!

المشكلة أن الجهة المسؤولة لم تكلّف نفسها بإعلام المواطنين وتوعيتهم بالنظام الجديد وكيفية التعامل معه، لم تكلّف نفسها بمتابعة التطبيق الجاري لهذا النظام في احياء أخرى لتعرف مشاكله ونقاط ضعفه والاستفسارات المتوقعة من قبل المواطنين، ولم تكلّف نفسها بمراجعة برنامج الإستقطاع الإلكتروني ليتضمن معالجات هذه المشاكل.

طُبّق النظام هناك "كَسِر رقبه" .. ويُطبّق هنا أيضاً "كَسِر رقبه" (حسب تعبير احدهم كان يقف بجواري) ! 

الجباية هي الأولوية القصوى دائماً، لا خدمة المواطنين.

على المستوى الشخصي بذلت مجهودات حثيثة في تنظيم المتجمعين في مكتب المهندس المشرف في صف واحد طويل حتي نتمكن من مقابلة المهندس واحد تلو الآخر لنسهّل عليه العمل ونختصر على أنفسنا الزمن.

الجدير بالذكر أن المواطنين لا يرفضون دفع مقابل إستهلاكهم من المياه رغم التقديرات الجزافية للاستهلاك التى وضعتها هيئة المياه، لكنهم كانوا يكتشفون ببساطة أن الهيئة تحاول الإحتيال عليهم بالتعاون مع الكهرباء، فالسيستم مصمّم لإستقطاع قيمة ثابتة (تختلف حسب إختلاف العقار والمنطقة) من كل عداد كهرباء، فإذا كنت تملك مثلاً أكثر من عداد في منزلك، وهو امر عادي وقانوني في إجراءات وزارة الكهرباء مع السكّان، فأنت حينها ملزم بدفع رسوم مياه عن كل عداد غض النظر عن حجم استهلاكك من المياه!

ويبدو أن الجباية في الواقع تتعدّي ذلك، فقد شهدت حالة أحد المواطنين يحاول أن يشرح لموظف المياه الموجود بالمكتب أنهم ثلاثة أسر في منزل واحد بعداد واحد، وهناك إتفاق بينهم وصاحب المنزل الذي يؤجرون منه أن يقوم هو بدفع فاتورة المياه، الآن هم يحتاجون للكهرباء ولا يستطيعون دفع فاتورة المياه لأن بها متأخرات كبيره .. فماذا قال موظف هيئة المياه لذلك الرجل ؟
-      أول حاجة إنت موضوعك ده براهو .. انت حنرسل معاك حاتم ده يمشي يعاين البيت (من هو حاتم؟!) إذا إنتو أكتر من أسرة في عداد واحد .. في الحالة دي كل اسرة تدفع فاتورة موية براها !!

الملفت في هذا الحدث أن حالة الضجر والتذمّر الشديد من قبل المواطنين بسبب هذه المشكلة الخدمية المباشرة أخذت طابعاً سياسياً واضحاً في شكل سخط على النظام الحاكم، وضح ذلك من خلال "الزفرات الحرّى" التي أطلقها المواطنون علانيةً وحولوا بها مكتب الكهرباء بشمبات إلى منبر سياسي لإدانة النظام ورموزه بالإسم.

أما المفارقات، فمنها موقف ذلك الرجل الكبير في العمر يرتدي جلابيته ناصعة البياض والعمّة الكبيرة والمركوب، تبدو الجلابية ناصعة أكثر مما يجب نسبةً لسمرته الداكنة، يقف صامتاً وتبدو عليه علامات التوهان والعجز وسط هذه الضجه الكبيرة، وعندما وقفنا صفاً واحداً أمام مكتب المهندس وقف معنا فترةً ثم نادى على موظف الهدف:
-      يا ولدي أنا عايز اسألك سؤال ..
-      اتفضل يا عمّنا
-      انا ختيت ورقة الكهرباء بتاعت صاحب العمارة جوه مع الأوراق .. وشايل معاي ورقتي بتاعت عدادي أنا
-      أها .. كويس ..
-      الورقه الجوه دي قروش المويه فيها مدفوعه .. دفعتها انا زاتي وبعدين بحاسب بتاع البنايه بطريقتي حسب إتفاقي معاهو
-      طيب يا عمّنا ..
-      دلوقت عايز أعرف عدّادي ده التعامل معاهو كيف ؟
استعدل موظف الهدف في وقفته بعد أن فكّر للحظات وأخذ نفساً عميقاً، ثم أجاب:    
- والله يا عمّنا دي إلا تخش للمهندس يحلّها ليك!

 تسمّر الرجل في مكانه لا يحرّك ساكناً وبدا للحظه أنه على وشك البكاء ..

 وهنا تدخلت أنا وتبرعت بشرح الموضوع للراجل الكبير التائه

-      يا عمّنا انا افهمّك الحكايه
-      ايوه اتفضل الله يرضى عليك ..
-      لا ناس الكهرباء ولا ناس المويه عندهم علاقه بإتفاقك مع صاحب العماره .. عدّادك بتاع شقّتك برضو حيشيلو منك فيهو حق المويه .. يعني انت الليله حتدفع مرتين
-      لا دي كده تبقى سرقه .. ديل مجموعة بتاعت حرامية ما أكتر (ودفر بتاع الهدف ولز الباب ودخل لمواجهة المهندس)

انفجر الواقفون بالضحك لإنفعال الراجل الكبير.. وقال له أحدهم في همهمه مقصوده:
-      ما إنتو الجبتوهم ..
أنا شخصياً لم افهم ما الذي يعنيه ذلك ..
رد الراجل الكبير صارخاً وهو يبحث عن مصدر الهمهمه: أنا ما جبتهم ..
وكررها مرتين بعصبية: أنا ما جبتهم .. أنا ما جبتهم

وعندما أدار ظهره وواجه المهندس مرة اخرى،
قال له آخر مهمهماً بنفس الطريقه:
-      لو ما جبتهم جيت معاهم
فإلتفت عمّك مره أخرى متوتراً:
-      أيوه جيت معاهم .. جيت معاهم لكن برضو حراميه ..
حراميه وستين حراميه .. عندك راي ؟

سألت الرجل الذي يقف خلفي وهمهم في المرة الاولى:
-      ده منو عمّك ده ؟
-      فقال ساخراً: ما عرفتو؟ ياخ ده إبراهيم نايل إيدام ..
-      إبراهيم نايل إيدام بتاع الإنقاذ؟ عضو مجلس قيادة الثورة؟!
-      أجابني آخر ضاحكاً: ياهو زاااااتو .. جا مع الجماعة ديل في يوم واحد.
-      تداخل ثالث بنبرة تشفّي: هسّي لمن شاتوهو بره يقول ليك حرامية ..
وأشار بيديه في حركة سوقية:
- حرامية ؟ حَيّ انا!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتب تعليقك أدناه