إبحث

30 مارس، 2011

دفاتر 30 يناير: دفتر رقم 1

أنقر هنا للإطّلاع على النقاشات الدائرة حول الدفتر في منتدى سودانيز أون لاين.  
- أسماء عناصر الأمن أدناه غير حقيقية
::::::::::
تمهيد:
أعتقلت أنا وزملاء لى فى يوم 30 يناير 2011م الفائت على خلفية مشاركتنا فى إحتجاجات فيما صار يعرف بإحتجاجات 30 يناير. أطلق سراحى بعد قضاء 28 يوماً إحتفلت خلالها بعيد ميلادى السابع والعشرين، عدد ممن زاملونى فى المعتقل مكثوا أكثر من ذلك وأحدهم –  المهندس عادل إبراهيم كرّار - ما يزال قابعاً بمعتقلات جهاز الأمن بسجن دبك حتى كتابة هذه الأسطر. له الحرية ولجميع المعتقلين السياسيين.

لقد تم تحذيرنا بطبيعة الحال من "الصواتة فى النت وفى الفيسبوك" خصوصاً فيما يتعلّق بأسباب وظروف إعتقالنا، وقد تم تهديدنا بإمكانية الإعتقال مرّة أخرى "كما حدث مع مازن" (سنأتى على ذكر مازن لاحقاً).
لا يفهم هؤلاء طبيعة علاقتنا مع "النت"، لأن القيمة الإيجابية للتواصل الإجتماعى الكوكبى عبر الشبكة العالمية، والإمكانات المهولة التى يوفرها الإنترنت لصالح المعلومة الحرّة هى فى النهاية مفاهيم تقع خارج دائرة "المشروع الحضارى". ففى الإنترنت حرّيتنا التى لا يطيقونها، وفيها مستقبلنا الذى لا مكان لهم فيه. وهم محقون فعلاً، فلن يوقفنا من دخول حساباتنا على فيسبوك أو الكتابة فى المدونات سوى ما حدث مع مازن !



ما تجدونه أدناه هى سطور فى دفتر 30 يناير الكبير الذى أدعو الجميع ليسجّل فيه مساهمته، ففى الواقع كل سطر من هذا الدفتر له أهمية، لأن كل مساهمة فى صناعة ذلك اليوم مهما صغرت مساحتها كانت ذات معنى وتأثير، بدءاً من الذين نقروا على زر "لايك" فى فيسبوك وليس إنتهاءً بالذين خرجوا إلى الشارع فى المدن ومن الجامعات.
إن الإضافة لا يجب أن تقتصر على البعد التوثيقى، ويجب أن تستصحب وجهات النظر المتعددة والمتباينة، فلكى نرى الصورة بوضوح فما علينا سوى النظر إليها من كافة الزوايا الممكنة.

إننى أدّعى أن 30 يناير لم تكن مجرّد إحتجاجات معزولة، قام بها شباب متحمّسون، بل كانت رسالة قوية وواضحة للمواطنين السودانيين فى كل مكان كما هى للطغمة الشمولية الحاكمة، مفادها أن جيلاً جديداً قد أمسك بزمام المبادرة، تجاوز كل الأشكال القديمة للعمل والأنماط القديمة من الأفكار، حدّد هدفه بوضوح وعبّر عمّا يريد بشجاعة، جيلاً جديداً يملك من وضوح الرؤية والشجاعة ما يجعله عارفٌ بماهية التغيير وملمٌ بآلياته وقادرٌ على إنجازه.
لقد فتحنا فى 30 يناير –  من جديد - بوابة كبيرة للأمل مشرعة فى وجه الظلمة واليأس، فهنيئاً لشعبنا بفجرٍ طال إنتظاره، وليعلم الطغاة أن ساعتهم قد أزفت.

أيام قبل 30 يناير
منذ أن إنطلقت الدعوات بالخروج فى يوم 30 يناير الفائت عبر الفضاء السايبيرى، فى منتديات الحوار الإلكترونى وفى موقع facebook.com، بغرض الإحتجاج على تردى الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وتعبيراً عن رفض سيطرة المؤتمر الوطنى وأجهزته الأمنية على الدولة والحياة السياسية بالبلاد، ناقش حزبنا عبر مختلف مؤسساته مسألة المشاركة فى الإحتجاجات على ضوء السياقات الآتية: 

1. للحزب أساساً إتصالات مع أحزاب صديقة وشخصيات وطنية لتطوير مبادرة الشموع التى طرحها الأستاذ سالم أحمد سالم عبر sudaneseonline.com لتتحوّل بالتدريج إلى عمل مدنى كبير ومنظّم ذو سقفٍ عالٍ، فهناك عدد من أعضاء الحزب – وشخصى بالتحديد –  يعتبرون أن الوضع السياسى الراهن فى ظل تشرذم قوى المعارضة يحتاج إلى عمل سلمى متدرج وفعّال، يستقطب قطاعات جديدة للفعالية السياسية ويفرّخ قيادة جديدة ذات رؤية مختلفة للمواجهة مع السلطة ولماهية التغيير، ولها مستوى من المصداقية والقبول يمكّنها من تجاوز التشكيلات التقليدية للأحزاب المعارضة إلى توحيد المواطنين تجاه هدف واحد وأساسى هو "التغيير".

2. محاولات حزبنا للتعرّف والإتصال بالمجموعات التى أعلنت عبر فيسبوك تاريخ ومكان الخروج وحدّدت الشعارت وطبيعة الهتافات باءت جميعها بالفشل، فلم نتمكن من طرح أفكارنا لكيفية تصعيد العمل السلمى لتلك المجموعات، وبالرغم من أننا إستطعنا الإتصال بأفراد من حركة قرفنا وآخرين من مجموعة شرارة قبل الخروج بساعات إلا أنه كان من الواضح أن الجهتين لم ترغبا فى إعطائنا أية معلومات عن ترتيباتهما ليوم 30 "لأسباب أمنية" حسب ما فهمنا ! 
3. توقعاتنا لعنف شديد فى مواجهة المحتجين على ضوء الوضع الإقليمى، وتخوفاتنا من الإنعكاسات السالبة لجهة ثقة المواطنين فى إمكانية التغيير حال فشل الإحتجاجات، لا سيما وأن الغموض يكتنف كل شئ إبتداءً من الجهات المنظمة مروراً بنقاط وكيفية التجمّع والأشخاص الذين سيوجهون حركة المحتجين والدعم اللوجستى والطبى والتغطية الإعلامية وإنتهاءً بالدعم القانونى. 
4. معلوماتنا المؤكدة بأن قوى الإجماع الوطنى لا "تبارك" الخروج تحت دعاوى التوقيت غير المناسب !

وكانت نتيجة النقاشات كالآتى:
بما أن الحزب يدعم السياق العام المُعلن عنه فلا حاجة له بمعرفة المجموعات المنظمة وتفاصيل خططها وعليه فقط أن يستجيب للنداء، كما أن قيادته عليها أن تثبت عملياً أنها تُتبع القول بالعمل وتكون فى مقدمة الإحتجاجات وتعمل على إنجاحها بدل الإكتفاء بالقلق من إحتمال فشلها. إنتهى.

من شارع القصر إلى مكتب القصر
كان عددنا – نحن كوادر الحزب الديمقراطى الليبرالى – الذين تم إعتقالهم من شارع القصر 6 أعضاء هم:
ثروت سوار الذهب، عبد الله عيدروس، نصر الدين آدم، قتادة محمّد، أريج النعمة، بالإضافة لشخصى وعضو سابع لا داعي لذكر اسمه الآن لأسباب تتعلّق بسلامته.
أعتقلت معنا أيضاً الآنسة إبتهال النعمة شقيقة زميلتنا أريج وهى ليست عضو بالحزب وقد عرفنا لاحقاً أنه قد أطلق سراحهما سويّاً فى مساء نفس اليوم.
لم نكن حينها نحمل لافتات أو بيانات حزبية، فقد كان قرار الحزب يقتضى أن نمتثل للمجموعة القائدة حتى لا يحدث إرتباك ونساعد فى ترتيب المتظاهرين والتأكد من عدم الخروج عن الطابع السلمى للمظاهرة أو إختطافها من قبل أى جهة حزبية. وفى حال لم تظهر أى مجموعة فى الوقت المعلن عنّه كنّا سنتحرك لوحدنا فى شارع القصر رغم كل شئ لا نحمل سوى أصواتنا.
أعتقلنا قبل تحرّكنا من المنطقة الممتدة بين تقاطع السكة حديد فى مقدمة شارع القصر من الناحية الجنوبية وكلية الصيدلة جامعة الخرطوم، عند الساعة العاشرة والنصف تماماً أى قبل الزمن المعلن للتجمّع بنصف ساعة، وقد كان ملاحظاً الوجود المكثّف لأفراد الأمن الذين يراقبون المنطقة بطريقة مفضوحة، إلا أن التحايل على رجال الأمن لم يكن ضمن ترتيباتنا، فضلاً عن أنه لم يكن ممكناً، فإنطلاق الإحتجاجات كان هى أولويتنا القصوى.
وقف أمامنا 2 بوكس بلون أبيض مليئان بأشخاص يرتدون ملابس مدنية، نزل 8 أشخاص من البوكس الأول وتوجهوا نحونا بسرعة، دار بينى وبين الذى تقدمهم حواراً سريعاً:
- يلا يا شباب أركبو عايزنكم معانا ..
- إنتو منو يا شاب؟
- نحن منو؟
- أيوه إنتو منو؟
- عايز تعرف يعنى؟
- أيوه
- شرطة أمنية
- طيب بطاقتك لوسمحت
- ردّ ساخراً: عايزنى أوريك بطاقتى؟
- أيوه
- تدخل أحدهم مقاطعاً ومهدّداً:
- يازول أركب ساى ما تتكلّم كتير .. ما تخلّينا نتصرّف معاك بطريقتنا ..

وتحرك عدد منهم فى ذات اللحظة فى حركة واضحة الغرض منها الإستعداد لإجبارنا على الركوب بالقوة، تم رفعنا جميعاً فى البوكس الأول وكان عبد الله وقتادة بمعية آخرين من الشارع قد رفعوا فى البوكس الثانى.
جمعت منّا موبايلاتنا على الفور ووُضعنا فى وضعية لا تسمح لنا برؤية أى ملامح للشارع من حولنا، فلم نكن نعرف إلى أين يتم إقتيادنا أو من أولئك الذين يقتادوننا، لكننا عرفنا عند إقتراب البوكس من مدخل المكتب الأول الذى تم إستجوابنا فيه، أنه مبنى ملاصق للقصر الجمهورى من الناحية الجنوبية الشرقية، وهو مبنى عتيق عند مدخل شارع أبو سن، يبدو أنه كان فى فترة ما جزءاً من مبانى القصر الجمهورى نفسه.

فى مكتب القصر
عند إقتراب البوكس من مدخل مكتب القصر أمكننا بسهولة أن نشعر بحركة تدل على وجود تجمع كبير لعدد كبير من الناس عرفنا خلال لحظات أنهم جميعاً من أفراد وضباط الجهاز الذين يعملون فى المبنى، فُتحت البوابة لدخول البوكس فإذا بنا نسمع هتافات الفرح الهستيرى:
- أيوه .. أيوه .. ده الشغل ..
- جيبم .. جيبم .. جو فى زمنهم .. يا دوب فطرنا
- وردّد آخر مكرراً فى شكل هتاف غريب تتخلّله ضحكات:
التحلية .. التحلية .. التحلية ..
- وبدأ بعضهم يصدرون أصواتاً غريبة أشبه بزغاريد البنات
- كمان معاهم بنات .. جيب البنات ديل بى جاى
- عايزين تقلبو الحكومة ؟ الليلة تشوفو القلب الجد جد

مبنى مكتب القصر مقسّم من الداخل إلى مكاتب متعددة عددها تقريباً 10 مكاتب ومسجد داخلى صغير، تتوسط المبنى مساحة من النجيلة يظهر من خضرتها الزاهية أنه تتم العناية بها بإنتظام، وتحيط بها شجيرات صغيرة بعضها يحمل أزهاراً حمراء جميلة، يطل عليها حوض يستخدم للوضوء بمقاعد أسمنتية لـ 3 أشخاص مبلوطة بالسيراميك.
فى أثناء نزولنا من البوكس إرتص عدد منهم تلقائياً فى صف صغير من خمسة أشخاص عند المؤخرة وبدأوا فى ضربنا بخراطيش سوداء ضخمة كخراطيش توصيل المياه إلى المنازل، وبعضهم يضرب بيديه وآخرين بالشلّوت كيفما يتفق، يصاحب ذلك كمية من الشتم والإساءات والوعيد والصراخ بكلام غير مفهوم.
إستمر ذلك لعدة دقائق حتى جاء أحدهم يبدو أنه أعلى منهم رتبة، إسمه "ود الشرق" :
- خلاص .. خلاص .. أمنع .. أمنع (يقصد أوقف الضرب)
- قلنا أمنع يا زول .. خلاص أمنع
- جيبوهم هنا .. فرقوهم من بعض
- وجيب لى البنات ديل بى جاى ..
- ديل ليبراليات ياخ .. جيب ليهن كراسى (فى سخرية وضحك)


كان ود الشرق يرتدى بدلة إشتراكية ذات لون أخضر ذو درجة غريبة مائلة إلى الأسود، وقد لاحظت أن هذا الضابط تحديداً كان حريصاً عند مروره بين المكاتب أثناء الإستجوابات على إرسال رسالة للمعتقلين مفادها أنه لايقبل العنف، فيتدخل أحياناً لمنع الضرب الذى يراه، لكنه فى ذات الوقت كان يخصنا نحن تحديداً (مجموعة الليبرالى كما سمّونا) بجرعات من الوعيد والسخرية:

"عايزين تغيروا النظام يا ناس الليبرالى؟ والبشير كيف، عايزين تودوهو لاهاى مش كده؟" ويضيف فى إبتسامة ساخرة: "إنتو مساكين والله .. إنتو قايلنّها زى تونس ومصر؟.. والله تعملو لينا فيسبوك ومروق للشارع النعملها فيكم ما يعلم بيها إلا الله"

وقال أيضاً مرّة:
"إنتو قايلين البشير ده زى مبارك؟ الحلبى ده داقس .. جماعتنا كلّموهو ونصحوهو .. لكن هو عامل فيها معلّم لمّن ركب التونسية"

بعد " أمنع " ود الشرق أعلاه، بدأوا فوراً فى إيقافنا فى مواجهة الحائط وإجبارنا على رفع أيادينا، وبدأ بعضهم فى تفتيشنا بطريقة مهينة وبإستخدام ألفاظ نابية، وفى أثناء ذلك لم تتوقف حالات الضرب الفردى، فكل واحد منهم فى تلك اللحظة يريد أن يثبت أنه حانق علينا أكثر من زملائه، وإستمرت كذلك السخرية والضحك والإستفزاز والتهديد من أشخاص يمرّون كلٌ على حده، تقديرى أن أغلبهم مجرّد جنود، ومن أمثلة ذلك:
- السخرية من ثروت وتهديده بأنه غير سودانى وعميل يعمل لحساب الإستخبارات الكندية وسيكون مصيره "زيو زى أى طابور".
- التمييز القاسى ضد زميلنا قتادة بسبب قصر قامته ووصفه بأوصاف قبيحه وتفريغ زجاجة كوكا كولا كان يحملها فوق رأسه كما فعلوا مع ثروت أيضاً.
- الإساءات العنصرية التى تعرّض لها نصر الدين بسبب أصوله العرقية من دارفور، ولم يشفع له أنه نشأ وترعرع فى المناقل أو أن جده توفى ودفن فى المناقل، وقيلت له أكثر من مرة عبارة: "المناقل دى غيّروها ولا شنو؟" وكانوا يهدّدونه بأن مصيره سيكون أقسى من الآخرين لأنه تشادى وغير سودانى أساساً!
- ذكّرنى ذلك بمقولة الراحل جون قرنق حينما قال: "مشكلتنا فى السودان إنو الواحد ممكن تعرف دينو من شكلو"، وقلت لنفسى فعلاً هذه مشكلة !
لكن أغرب منها فى عهد الجبهة الإسلامية أن ما هو طبيعى – وهو أن تعرف الأصول العرقية لشخص ما من ملامح وجهه –  يصبح مشكلة ومصدر أذى. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فأنت يمكنك أن تكذب بشأن دينك إذا تعرّضت للأذى بسببه ويبقى ما فى القلب فى القلب. لكن ماذا يفعل أبناء دارفور مع الجبهة الإسلامية بشأن ملامحهم ؟
- وهنا نماذج مما قيل لى شخصياً:
  = ما بتخجل تتابع ليك مَرَه (يقصدون الأستاذة نور تاور رئيسة اللجنة التنفيذية للحزب)؟
  = المؤتمر الوطنى ما عاجبك؟
  = شكلك ود بلد .. خلّى الشقاوة دى للناس الشينين
  = أخير تتكلم وإنت واقف على كرعيك قبل ما تتكلّم وإنت معلّق من كرعيك
  = علمانيين عايزين تملو لينا البلد إباحية (ومسميات أخرى تتعلّق كلها بالجنس)
  = زِح يدك من الحيطة .. الحيطة دى أنضف منّك ..
(يضطر الواحد منّا كل مرّة أن يضع يديه على الحائط كى يرتاح قليلاً لأننا وعلى مدى ساعات كنّا واقفين فى مواجهة الحائط وأيادينا مرفوعة فى الهواء)

عندما جائت فترة صلاة العصر كان مكتب القصر يعج بعدد كبير من المعتقلين، الذين إستطعت أن أحسبهم فقط كانوا حوالى 30 معتقلاً من الجنسين، جميعهم تقريباً أعتقلو من المنطقة بين موقف جاكسون وشارع القصر. ضمن المعتقلين كان هناك 3 مصريين قيل أنهم عندما بدأت الإحتجاجات فى جاكسون شاركو فيها، ومنهم شخصان لا علاقة لهم بالإحتجاجات:
الأول شاب نعرفه أنا وعبد الله يخضع للعلاج النفسى بمستشفى التيجانى الماحى مشكلته الوحيدة أنّه من رواد مقهى أتينيه وكان موجوداً فيه لحظة مداهمة الأمن للمكان، فالبنسبة للأمن يعتبر مقهى أتينيه "معقل الطوابير"، حُوّل معنا هذا الشخص لاحقاً للدائرة السياسية ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تدخل عبد الله وكلّم أحد الضبّاط وأكّد أنه يعرف الشاب معرفة شخصية وهو يعانى من مشكلة نفسية ولا علاقة له بالأحداث ألبتة.
أمّا الثانى فهو منتحل شخصية غريب الأطوار إسمه موسى مرجان، تم فصله من الخدمة العسكرية بالجيش عام 1992م – على حد قوله - لكنه ظلّ منذ ذلك التاريخ كلّما تحصل "عكّه" يلبس بدلته الإشتراكية وحذائه البوت ويحمل سلاحه "ويساعد ناس الجهاز فى شغلهم" !
سلاح أخونا مرجان كان عبارة عن رشّاش صغير الحجم مصنوع من البلاستيك لا يمكنك أن تميّزه عن الحقيقى إلا إذا لمسته بيدك. ما حيّرنى أن عدد من الضباط كانوا يعرضون عليه بجديّه أن يعمل معهم ما دام يحب العسكرية لهذا الحد، لكنهم لن يفعلوا على الأرجح لأن "جنابو مرجان" يبدو جلياً أنه غير قابل للتحكم به أو التنبؤ بتصرفاته.

الدور الأساسى لمكتب القصر على ما يبدو يقتصر على تصنيف المعتقلين وإجراء الإستجوابات الأولية معهم، فبعضهم يطلق سراحه مباشرةً والبعض الآخر يحوّل إلى الجهة المعنية، وقد كان نصيبنا – بالطبع – هو الدائرة السياسية ببحرى.

التحقيق الأول
أول تحقيق بدأه معى ضابط إسمه أبو سن، وقد ذكر فى بداية مروره علينا أنّه خرّيج قانون وقد عمل لفترة بمهنة القانون و" بعرف القانون كويس " ، كان ذلك فى معرض رده على إعتراضات ثروت على أن ما يحدث " غير قانونى "، أعطانى هذا الضابط إسمه أثناء الإستجواب بعد أن رفضت الإستجابة لأسئلته إلاّ بعد أن أعرف إسمه وسبب إعتقالى والمكان الذى أنا فيه، وبعد تردد منّه ومحاولات تخويف:
- إسمى (.....) .. أها كده كيف؟ حفظتو؟ .. وإنت هنا فى جهاز الأمن الوطنى .. وأخير تتعاون ما تعمل لينا فيها مفتّح .. نحن لحدّى أسّى ماشين معاك بالحسنى
- ما ممكن أتعاون معاك .. أنا خايف منّك .. أتعاون معاك كيف؟
- خايف؟
- أيوه خايف
- إنت ما راجل يا زول (ساخراً)
- .....
- خايف من شنو؟
- فى ناس لقونى فى الشارع رفعونى فى بوكس بالقوة وجابونى مكان مجهول إتعرضت فيهو للضرب والإهانة والتهديد .. إنت شايف إنو ده موقف بحسّس بالأمان؟
- إنت شكلك راسك كبير وداير تتعبنا .. أنا بسألك إنت ما تسألنى .. والله الأمان العندنا هنا ما بتلقاهو فى مكان تانى .. ولو لحقنا ودّيناك قدّام حتشتاق لي مكاتبنا دى ..
- .......
- طيب .. نعمل ليك شنو عشان تحس بالأمان؟ (ساخراً)
- عايز أتصل بأسرتى وبمحامى ..
- محامى عديل كده (ضاحكاً) .. نحن لو عايزنك تتصل بمحامى كان خليناك للبوليس
- .......
- الواحد يعمل فيها راجل وعندو قضية لمن يقبضوهو يقول عايز محامى .. مدام بقيت راجل وطلعت الشارع ما تثبت
- والله أنا لمن طلعت الشارع ما طلعت عشان أنضرب وأتهان وأتذل ..
- أيوااااا .. طلعتو عشان غلاء المعيشة .. (ساخراً)

بعد فترة من المحاولات إكتفى الضابط أبو سن بمعلومات أساسية (الإسم، السكن، القبيلة، الدراسة، اللون السياسى، مكان الإعتقال) ثمّ قادنى خارج المكتب الذى يقع فى مواجهة النجيلة وحوض الوضوء، وهو عبارة عن غرفة بها تربيزة مكتب بكراسيها وسرير فى الركن الداخلى، (تكرر مشهد السراير داخل المكاتب حتى بعدما إنتقلنا إلى الدائرة السياسية ببحرى، وأظن أنّها تعنى أن المكتب هو مكتب ضابط يستخدم السرير للراحة أثناء فترة دوامه) كان يوجد فوق سطح المكتب عدد كبير من المظاريف الورقية من مقاس A4 بنية اللون ومتراصة فوق بعضها البعض بدون ترتيب توحى بأنها وضعت هكذا على عجل لإستخدام سطح المكتب فى الإستجواب، فى المكتب أيضاً مروحة سقف ومكيّف ولمبة نايلون بيضاء مقاس 4 قدم. حائط المكتب مضروب بوماستك بنى غامق فى النصف السفلى للأربعة جوانب والنصف الأعلى باللون البيج.

قادنى أبو سن إلى مكتب ود الشرق وقال له: " زول الليبرالى ده أبا يتكلّم قال ما شاعر بالأمان معانا " فكرر ود الشرق نفس الكلام: " كمبالى! .. والله يا اخوى الأمان البتلقاهو فى مكتبى ده .. ما بتلقاهو فى مكان تانى (وحدقنى بنظرة قوية مفادها التخويف ثم أمر أبو سن بالخروج وتركنا لوحدنا) .. خت لى ورقو هنا .. وجر الباب وراك "

التحقيق الثانى
مكتب ود الشرق يبدو من مساحته الكبيرة أنه مكتب ضابط ذو رتبة عالية، بالرغم من أن تأثيثه بسيط بالنسبة للمساحة، به طقم جلوس وثير أسود اللون مكون من كنبة و4 كراسى، تربيزة مكتب كبيرة بكراسيها، جهاز كمبيوتر، فاكس، 2 تلفون ثابت، لون الحوائط هو نفس لون مكتب أبو سن.
بدأ ود الشرق بطرح نفس الأسئلة من جديد، رفضت التعاون فى جزء من التحقيق، وتجاوبت فى جزء منّه، لم يعجبه ذلك، بحجّة أننى أسخر منه وأعطيه معلومات هو يعرف أنها كاذبة، وأننى جبان (ما راجل) لأننى أنكرت معرفتى ببعض من أعتقلوا معى، ونصحنى:
"يا كمبالى إنت شكلك حقّار .. أحسن تتكلّم تخارج نفسك من هنا، والله نحن شغلكم ده كلّو ضاربنّو .. لستتكم بتاعت المية نفر عشان تسجيل الحزب وداركم بتاعت السجّانة وناسكم البتسفروهم أوروبا يتعلّمو الإباحية وقصة أصدقاء الجنائية .. كلّو عارفينو بالتفصيل .. عشان كده اللّف والدوران ما بحلّك .. واللّه يا كمبالى الما بتقولو هنا بإرادتك بتقولو فى حتة تانى غصباً عنّك" 

نصائح ود الشرق متعددة ومتنوعة وهو يجيد لعب دور الـ good cop، ولا أخفى أننى فى بعض الأحيان كنت أشعر بأنه صادق في نصائحه لنا خصوصاً عندما تقمّصته روح الوصاية قبيل ترحيلنا إلى السياسية فجمعنا مع عدد من المعتقلين الآخرين فى مكتبه:
"يا جماعة عليكم الله إنتو أولاد ناس .. مالكم ومال الكلام الفارغ ده .. الناس الكبار يعملوها وإنتو تقعوا فيها .. والله ناس الإجماع الوطنى ديل كلّهم ناسنا .. وبراكم حتشوفو فى الأيام الجاية .. يغشوكم يقولو ليكم أطلعو الشارع عشان يقولو للمؤتمر الوطنى الجماهير معانا .. والله لا الصادق شغال بيكم ولا ابو عيسى شغال بيكم .. أمشو أقرو قرايتكم وشوفو أكل عيشكم .. والله نحن ما عايزين نقبض زول ولا برضينا زول يبيت بره بيتم وأهلو ما عارفينو وين"

أمّا أبرز نصائحه لنا (ناس الليبرالى) فهى عندما عرض علينا مساعدتنا فى تسجيل الحزب!

خرجت ودخلت لود الشرق مرتين بعد ذلك .. تخللتها محاولات للضغط على بالضرب بالبسطونه وبإجبارى على الوقوف على الركبتين بعد رفع البنطلون، أشرف على هذه العملية شخص أعتقد أنه ضابط أيضاً إسمه الجعجاع.

كانت التحقيقات معى تدور فى مجملها حول النقاط الآتية:
- حزبنا هو المسئول عن التعبئة عبر الإنترنت
- معلومات عن المجموعات الأخرى المشاركة (شرارة تحديداً)
- طلب معلومات مفصّلة عن بعض أعضاء وأصدقاء الحزب
- من أين يأتى تمويل الحزب؟
- ما هى علاقة الحزب بالمحكمة الجنائية؟

التحقيق الثالث
بعد أن إنتهى ود الشرق من تحقيقه معى مررت بشخص يبدو أنه رتبة أعلى من ود الشرق لأن الأخير وضّب له كباية شاى أثناء الإستجواب، إسمه أبو شيبه، إنتابنى إحساس من طريقة تعامل ود الشرق معه أنه من إدارة خارجية أعلى من مكتب القصر، أشبهه (رغم المفارقة) بموجّهى وزارة التربية والتعليم الذين يأتون من الوزارة يرفعون تقارير عن أداء المعلمين ويكون جزء من عملهم فحص مستويات التلاميذ، سألنى الضابط أبو شيبة أسئلة بسيطة ومختصرة:
- إسمك؟
- عمرك؟
- قبيلتك؟
- لونك السياسى؟
- كنت قبل كده منظّم؟
(قلت له كنت عضواً بحركة حق، فقال لى: الخاتم ولا ورّاق؟ وعندما قلت: الخاتم عدلان، أومأ برأسه إيماءه ذات مغزى وأضاف: كمان!)
-       إعتقلك منو؟
(سئلت هذا السؤال مرات عديدة والغريب أن من يسألنى دائماً يبدو أنه فعلاً لا يعرف ما هى الجهة التى إعتقلتنى وكأننى الوحيد الذى أعرف!!)
- جابوك هنا ليه؟
بخصوص " جابوك هنا ليه؟ " ..
تكرر على هذا السؤال كثيراً أيضاً وفى كل مرّة يدور حوار ممل مختصره كالآتى:
- جابوك هنا ليه؟
- ما عارف!
- ما عارف كيف يعنى؟
- ..........
- طيب ليه خلّو كل الناس الفى الشارع وقبضوك إنت؟
- ما عارف!
- طيب علاقتك شنو بالمظاهرات؟
- أنا كنت طالع أشارك فى مسيرة سلمية.
- يعنى معترف؟
- .....

نفس الحوار أعلاه دار مع أبو شيبه، فقال لى مهدّداً فى نهاية إستجوابه القصير:
" شوف يا عبد العزيز! أهم حاجة تعرف إنك براك جبتو لى نفسك .. وأى حاجة تحصل ليك نحن ما مسئولين منّها "
قلت له على الفور: " حاجة تحصل لى زى شنو؟ " .. ويبدو أنه لم يتوقع منى هذا الرد .. فرمق ود الشرق بنظرة لم أفهمها .. فرد عليه الأخير قائلاً: " ده راسو كبير يا سعادتك .. لكن نوعو ده نحن بنعرف ليهو كويس "
أهم ما يميّز الضابط أبو شيبه أن جميع من كانوا فى مكتب القصر تقريباً مرّوا عليه.


ملاحظات
- لقد كنّا (مجموعة الليبرالى) أول الواصلين لمكتب القصر.
- بعدنا جئ بمجموعة من الشابات والشباب كان رجال الأمن يسمّونهم " ناس شرارة ".
- تعرّض هؤلاء الشباب لضرب مكثّف بالخراطيش والأيدى والشلّوت ولأصناف من الشتائم والإساءات اكثر ممّا حدث معنا.
- سمعت ضرب إحدى الفتيات بالخرطوش فى جانب آخر بين المكاتب وأمام بقية المعتقلين الشباب، وقد كانت تبادل رجال الأمن الملاسنات رغم أنها كانت تبكى من الضرب والإهانة.
- شاهدت أيضاً الشاب راشد عبد الوهاب الصحفى بأجراس الحرّية وقد تعرّض للضرب المتواصل والإهانة والإساءات القبيحة وحُلق له جزء من شعر رأسه وترك الآخر، وكان يقال له أثناء الضرب: "إنت ود فايز السليك؟ رسّلك عشان تعمل شنو؟ ترفع ليهو تقرير وهو يرفعوا للمنظمات مش كده؟"
- شاهدت أيضاً إحدى النساء فى جانب أحد الممرات أثناء إقتيادى بين مكتبى أبوسن وود الشرق وكانت تلاسن أحد رجال الأمن الذى كان يسألها عن إسم زوجها، عرفت من الحديث أنها نهى النقر الناشطة بقوى الإجماع الوطنى.
- من الذين شاهدتهم أيضاً الأخوين صلاح ويوسف مبارك الفاضل، وقد كرّر ود الشرق أمام عدد من المعتقلين حول أن "ود مبارك الفاضل" (لا أدرى أيهم يقصد): "هو آخر من يتكلّم عن المهمّشين لأنه عايش فى لندن وشغال فى البنك الدولى ويقبض بالدولار ما يساوى 10 مليون جنيه (أظنه يقصد بالجنيه القديم) وراكب عربية FJ " ويضيف فى كل مرّة: "فى واحد فيكم شاف عربية FJ قبل كده؟".
ويبدو أن ود الشرق لديه رؤية متكاملة فى موقفه من الأخوين مبارك لأنه أضاف: "آل المهدى ديل أولادهم عايزين يستعبدونا زى ما أبواتم إستعبدو أهلنا" ودلّل على ذلك (حسب زعمه) بلقاء تلزيونى لمبارك الفاضل قال فيه: "ناس المؤتمر الوطنى ديل حاسدننا عشان نحن أولاد ذوات".
- من المفارقات بالنسبة لى كانت عندما يسّلم أحد الذين يحرسوننا الخرطوش أو البسطونة لزميله قائلاً: " يا فلان .. تعال عليك الله إستلم الطوابير ديل .. ماشى أصلّى وجاى " !!
وقد تكرّرت هذه المفارقة بحدّة أكبر عندما تحوّلنا إلى مكاتب الدائرة السياسية ببحرى، فلا أنسى رجل الأمن ذاك الذى إنبرى ضرباً عنيفاً ومفاجئاً فى صديقى نصر الدين أثناء وقوفنا فى صف الحمّامات بحجّة أنّه "ماخد راحتو فى المسواك قايل نفسو فى فندق" لنكتشف بعد ساعات أنّ صاحبنا نفسه يصيح مؤذّناً لصلاة المغرب!!
- كان موجوداً أيضاً حتّى قبيل ترحيلنا إلى السياسية صحفى إسمه محمّد البدوى أعتقد أنه مراسل وكالة رويترز للأنباء.
- شاهدت أحد زملائنا (أنا ونصر الدين) من أيام الجامعة وتأكدت أنه يعمل ضابطاً بجهاز الأمن، وقد بدت عليه السعادة عندما رآنا ولا أعرف حتى الآن ما معنى تلك الإبتسامة الغريبة التى كان يرسمها عند مروره بجانبنا!

من القصر إلى المعرض
فى حوالى الساعة 11 مساء نفس اليوم، أُوقفنا فى صف واحد ووجوهنا نحو الأرض وكل منّا أياديه فى كتف الذى أمامه، وتم إقتيادنا للركوب فى بص كبير يشبه بصّات مواصلات الكلاكلة القديمة ماركة تاتا، أُقعدنا بنفس رصتنا فى أرضية البص وتم تكويمنا على جهة المؤخرة ووجوهنا ما زالت نحو الأرضية بطريقة جعلت بإمكاننا أن نسمع أنفاس بعضنا البعض، أطفئت الأنوار وقفلت الشبابيك وسحبت الستائر لتصبح الرؤية معتمة والتنفس مستحيل لدرجة أن ثروت عانى من ضيق فى التنفس فطلب من أحد الحرّاس أن يفتح واحد من الشبابيك لكنه لم يستجب حتى بدا أن ثروت صار على وشك الدخول فى غيبوبة.
كان عددنا على ما أذكر 12 معتقلاً بمن فيهم صاحبنا بتاع التيجانى الماحى وأخونا موسى مرجان، ركبوا معنا بغرض الحراسة حوالى 7 من أفراد الجهاز 2 منهم على الأقل مسلّحين ببندقية كلاشنكوف.
شغل السائق الماكينة إستعداداً للإنطلاق، فإذا بأحدهم يركب فجأة: "دقيقة يا زول خلينا نتأكّد" وصرخ فينا: "نمرة كاملة عد كلّك"، ثمّ نادى زميله قائلاً: "يلا تعال إستلم ناسك ديل". ركب الأخير مخاطباً السائق: " يلا بعد ده إتوكل .. وحرّك شوية الناس ديل ما يتأخرو على الحفلة "
تحرك البص وسط ضحكات أفراد الأمن الراكبين معنا وهم يتبادلون السخرية:
- حفلة عديل كدة ؟
- أيوه كيف يا .. ديل مودّينهم المعرض
- يا زول! المعرض مرة واحدة ؟
- كيف ياخ .. ديل ناس مهمّين
- الفنان منو؟
- معرض الخرطوم الدولى يا عمّك .. أى فنان عايزينو نجيبو ليهم
- دولى يا عمّمممممممك ..

وهكذا ..
كان معرض الخرطوم الدولى هو مكاتب ومعتقلات الدائرة السياسية ببحرى!
------------------