إبحث

24 مارس، 2009

المنقذ لويس أوكامبو

Omar al-Bashir

أنقر هنا للإطلاع على المقال في موقع الحزب الديمقراطى الليبرالي

*****

وثقت وسائل الإعلام تصريحات المسؤولين السودانيين وهم يؤكدون، أن عدد القتلى من المدنيين في دارفور لا يتعدى الـ10 آلاف قتيل، وتقدر بعثة الأمم المتحدة في السودان عددهم بين عامي 2003 و2005 بنحو 300 ألف، وعلى الرغم من ذلك ما زالت الحكومة السودانية تصر على إنكار حدوث جرائم حرب في الإقليم. إنهم الآن ينكرون حتى توقيعهم على اتفاقية روما!
وبعد قرار قضاة المحكمة الجنائية الدولية ICC بقبول طلب المدعي العام لديها ــ السيد لويس أوكامبو ــ لتحرير مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، أصبح إنكار تلك الجرائم يمثل تأكيدا على صلابة الحس الوطني!

سيّرت الحكومة السودانية مسيرات ضخمة وأقامت احتفالات خطابية حاشدة نددت فيها بقرار المحكمة الجنائية، وأرسل مسؤولوها الكثير من الإشارات السالبة في هذا السياق، أهم هذه الإشارات ما صرح به أخيرا صلاح قوش رئيس جهاز الأمن الوطني والمخابرات، بأن النظام "يمكن أن يعود للتطرف مرة أخرى"، وهدد "بقطع أوصال" كل من تسول له نفسه دعم قرار المحكمة أو التعامل معها، وعمليا تم على الفور طرد 13 من المنظمات الرئيسية التي تعمل في مجال العون الإنساني ويستفيد من خدماتها نحو مليونين ما بين نازح ولاجئ من مواطني الإقليم.
تذكرنا لغة الإرهاب والتجمعات الغوغائية بفترة منتصف التسعينات من القرن الماضي ذات الطابع العنيف، لكن هل فعلا يمكن أن يعود السودان كل هذه المسافة إلى الوراء؟

بالنسبة للكونغرس الأمريكي كل شيء وارد الآن، فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز على موقعها الإلكتروني قبل أيام من قرار المحكمة الجنائية، أن الكونغرس يدرس مشروع قرار يأخذ تهديدات بعض المسؤولين في حزب عمر البشير بنسف اتفاقية السلام ــ حال قبول طلب أوكامبو ــ على محمل الجد.

إن محاولة الحكومة استدرار العطف العربي بالإشارة إلى العراق وغزة في كل مرة لن تجدي، فالجامعة العربية لديها ما يكفي من الملفات المعقدة، وأفريقيّاً يفضل العقيد معمر القذافي الذهاب إلى نواكشوط. كما أن الاحتفاء بتصريحات أصدقاء الإيديولوجيا حول إهانة المسلمين ما هو في الواقع إلا مزيد من السقوط الأخلاقي، فإذا كان السيدان علي لاريجاني وخالد مشعل لا يعرفان أن جميع سكان دارفور هم من المسلمين، فعمر البشير يعرف أن غالبية المتعلمين منهم كانوا على الدوام رصيدا للحركة الإسلامية السودانية (خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة في دارفور كان أميرا للمجاهدين إبان الحرب الأهلية في الجنوب).

وفي السياق ذاته، فإن مصطلحات مثل "أوكامبو تحت حذائي" و"ناموسة في أذن فيل" لا تؤكد سوى توتر الخرطوم وفقدانها للبوصلة السياسية، أما مسألة "عدالة الرجل الأبيض" فهي تبعث ــ فقط ــ على السخرية، إذ إن الخرطوم تعول على روسيا في مجلس الأمن لتأجيل تنفيذ قرار المحكمة لمدة عام.
Luis Ocampo

يحتاج المجتمع الدولي في خضم هذه الضوضاء، أن ينتبه إلى تطور عملية التحول الديموقراطي في الخرطوم، فتنحي البشير أصبح مطروحا للنقاش بجدية، وأيا كانت السيناريوهات البديلة التي يحاول الوفد المصري رسمها مع السعودية فهي في الأساس لمواجهة التدخل الإيراني في المنطقة. فبالنسبة إلى المشهد السياسي الداخلي سيكون السيئ هو تسوية ملف الرئيس مقابل غض الطرف عن انتهاكات حزبه في الشمال، فمازالت الاعتقالات السياسية مستمرة والرقابة على الصحف في أسوأ صورها (تم حذف مقالي المنشور في نيوزويك العربية بتاريخ 3 فبراير الماضي من الأعداد الداخلة إلى السودان جميعها)، في حين تتعاطى الحركة الشعبية (الشريك الآخر في السلطة) مع الوضع بحذر سلبي. كنت أظن أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستضعنا ضمن أولوياتها في هذه المرحلة، فالتباطؤ حيال رواندا كان مخزيا فعلا.

أتدرون ماذا؟ لقد تم تصنيفنا "أسوأ كارثة إنسانية في العالم" اليوم، لكن السيدة هيلاري كلنتون لم تزرنا حتى الآن؟!

أكد علي عثمان محمد طه الرجل الثاني في حزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه البشير (يعتبره الكثيرون الرجل الأول الحقيقي) أن الحكومة ستحترم اتفاقاتها كافة مع منظمات الأمم المتحدة وتتعهد بحماية موظفيها، وأكد التزام حزبه الكامل بإنقاذ اتفاق السلام الشامل (نيفاشا) الموقع مع الحركة الشعبية لاسيما فيما يتعلق بقيام الانتخابات في موعدها. وفي ظل غياب كامل لقوى سياسية ديموقراطية فاعلة وذات تأثير ملموس في الخرطوم لا يسعنا سوى التعويل على تيار البراغماتيين داخل حزب البشير نفسه. ولنأمل أن تكون العوائد النفطية قد ساعدت على تخفيف الحمولة الراديكالية للمتنفذين منهم.

هشاشة القوى السياسية المعارضة في الشمال يمكن أن تكون إحدى العقبات التي تؤخر استكمال التحول الديموقراطي. يحتاج المجتمع الدولي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على النظام لإطلاق الحريات وإتاحة الفرصة لحراك سياسي إيجابي متعدد الأطراف، ودعم برامج الأمم المتحدة لتطوير الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في السودان. وتحتاج القوى الديموقراطية الجذرية بدورها إلى المزيد من الجرأة والرغبة في المواجهة السياسية للاستفادة من الحالة الراهنة واقتلاع المزيد من الحقوق من فك النظام.

المؤكد أن طلب أوكامبو ساهم في إنقاذ الكثير من الأرواح، إلا أن تأثير تداعياته السياسية لمصلحة تغيير ملموس في موازين القوى الداخلية وإنقاذ ما تبقى من مؤسسة الدولة في السودان يبدو حتى الآن غير واضح.

هناك أمر جيد آخر، فبعد 21 سنة من حكم "الإنقاذ"، بات السودانيون الآن يعرفون من الذى يريد أن ينقذهم فعلاً.


-------------------
عبدالعزيز الكمبالي
نشر في نيوزويك العربية:
مارس 24، 2009م