إبحث

4 يناير، 2009

فى السودان تحتاج أمريكا إلى شركاء جدد


Barack Obama

أنقر هنا للإطلاع على المقال في موقع الحزب الديمقراطى الليبرالي


*****

هناك عدد من الأسباب التى جعلتنى أرغب فى فوز "المبارك" أوباما - أو"الأوحد" كما يحلو لأوبرا - ليس من بينها كونه أسوداً أو ذا أصول سودانية (يعترف أوباما بجذوره السودانية البعيدة فى كتابه: أحلام من أبى). وبالرغم من أن عدداً من الكتابات تناولت - أثناء السباق الرئاسى - عمق مشكلة العرق فى أمريكا وما يمكن أن يعنيه فوز "أوباما" لتضميد الجراح القديمة، إلا أننى أميل إلى الإعتقاد بأن المجتمع الأمريكى كان قد تجاوز هذا الحاجز عملياً وكان ينقصه فقط الإعلان الرسمى.

حسناً، لا أنكر أن مقالتى راينا كيلى وأليسون صامويلز الأخيرتين زعزعتا هذا الإعتقاد قليلاً. [نيوزويك العربية. عددى 18 نوفمبر و2 ديسمبر 2008]


لكننى بصورة رئيسية كنت متحيّزاً لجيلى، كنت منحازاً للمستقبل مقابل الماضى، للواقع مقابل الأيدولوجيا، فعقليات مرحلة الحرب الباردة كانت ستكون خصماً على العالم فعلاً إذا سكنت البيت الأبيض لأربعة أعوام أخرى. أوباما يعبّر عن واقعنا ولذلك فهو ينظر للمستقبل من زواية أفضل من المحارب ماكين. إدمانه على البلاكبيرى ليس الإشارة الوحيدة بالمناسبة!

إهتمامى كان أكبر بأمور ملحّة بالنسبة لى مثل إستعادة مصداقية الولايات المتحدة فى العالم ومعها الثقة فى النظام الديمقراطى وفى أسواق حرة أكثر نزاهةً. نحن فى السودان على سبيل المثال فى أمس الحاجة إلى أميريكا قوية وذات مصداقية، خصوصاً فى هذه المرحلة من تاريخ تطورنا كمجتمع وكدولة. التحدّى الأكبر فى السودان الآن لم يعد هو دارفور، بل ما بعدها. فعلى الأقل هناك الآن إجماع دولى على ضرورة وضع حد للأزمة فى الإقليم، يشمل ذلك محاكمة المتهمين بإرتكاب جرائم من المسؤولين الحكوميين فى الخرطوم وإطلاق مشاريع طموحة لتنمية الإقليم.

أول إنتخابات عامّة يمكن إعتبارها ذات مصداقية منذ 23 عاماً من المفترض أن تقام فى منتصف هذا العام، وفقاً لإتفاقية نيفاشا الموقعة بين حزب البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان فى يناير 2005. وبالرغم من أن نيفاشا تتمتع بدعم دولى كبير، لكن الصورة تبدو قاتمة فعلاً، فقبل فترة قريبة كنت حاضراً عندما زار القاهرة الرجل الثانى فى الحركة الشعبية باقان اموم، وكان واضحاً من حديثه فى الندوات التى عقدها أن "منطقة أبيى" الغنية بالنفط هى قنبلة موقوتة فى الواقع وليست مجرد مشكلة.

شاب جنوبي يحمل علم الحركة الشعبية لتحرير السودان

بدون تدخل واضح وصارم من الإدارة الجديدة لصالح حماية عملية التحول الديمقراطى فى السودان سيكون السيناريو المحتمل كارثياً بحق. فبجانب إقليم دارفور الملتهب إستعادت الكنغو زخمها العنيف مرة أخرى، والإحتقان يزيد فى زيمبابوى فيما لايبدو أن موغابى يريد أن يعترف حتى بتفشى وباء الكوليرا فى بلاده، وقد أخذت الأزمة فى الصومال إتجاهات متقرصنة. بالإضافة إلى كل ذلك يبرز إحتمال أن تظهر دولة اخرى غير مستقرة فى المنطقة (قد يكون إسمها السودان الجديد)!

بالنسبة لى؟ فى ظروف كهذه وفى ظل نظام مراوغ مثل نظام البشير يكون إختيار اشخاص مثل هيلارى كلينتون لتولّى حقيبة الخارجية محل ترحيب كامل. الصقورية لها مزاياها أيضاً.

تكمن مخاوفى فى الواقع، من إحتمال برودة علاقة الإدارة الجديدة بشركاء محتملين لأمريكا فى العالم، لا سيما حيث تتسبب الإجراءات البطيئة فى عواقب وخيمة على الإستقرار وعلى الأوضاع الإنسانية. أقصد السودان بصورة أساسية.

ضربت إدارة بوش أمثلة سيئة فى هذا الجانب. جاء فى النيوزويك أن الرئيس الإيرانى يقول للبنانيين: " لقد رأيتم كيف تخلّت أمريكا عن السنيورة .. أنا لن أتخلّى عنكم". وقد أعتبرتُ موقف السيناتور ماكين من الإجتياح الروسى للحدود الجورجية أقوى من موقف أوباما. هذا هو الفرق بين ضابط فى البحرية وخريج من هارفرد؟! بغض النظر، لم يكن هذا ما يحتاجه ساكاشفيللى من الرئيس المحتمل للمكتب البيضاوى، ببساطة .. لقد كان أقل بكثير مما يحتاجه صديق لأمريكا. وتزداد مخاوفى عندما أتصور إجراءات ناعمة مع نظام الخرطوم على شاكلة الحوار الغير مشروط مع إيران ( تحوم شائعات فى المجالس السياسية هنا عن عقد صفقة تُقدّم فيها الخرطوم معلومات حاسمة لواشنطن حول جيوب إرهابية دولية مقابل تمييع مسألة المحكمة الجنائية).

مستر أوباما، عن جد لن يكون هذا مفيداً!

وعلى غرار أمريكا معنا، فإن سودان قوى وديمقراطى له فوائده العظيمة لأميريكا وللعالم، فيمكن للإدارة الجديدة حينئذٍ أن تتوقع شريك جديد وفعّال فى المنطقة إفريقياً وشرق أوسطي. قد تكمن إحدى العقبات فى السودان فى غياب البديل السياسى العملى فى الوقت الحاضر. لو كنت فى المكتب البيضاوى لأعتبرته موضوع إستثمار سياسى بدرجة أساسية. على الأقل سيكون إستثماراً ذو عائد أفضل على المدى البعيد – وبما لايقاس – من تبعات تجربة الإستثمار فى أسامة بن لادن ضد الروس.

هناك مجموعة من القوى السياسية الطموحة واللحوحة لا تمل محاولة فرض نفسها على الواقع السياسى، لكنها مازالت ضعيفة ومشتتة وغير قادرة على ملء الفراغ. على الإدارة الجديدة أن تبحث عن أصدقاء أميريكا بين هؤلاء.


--------------------
عبد العزيز الكمبالى
نشر في نيوزويك العربية:
يناير 4، 2009م